أبي منصور الماتريدي

595

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال أبو بكر : أي ذكرهم النعم التي أنعم عليهم ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، أي : جادلهم أحسن المجادلة بلين القول ، وخفض الجانب والجناح ؛ لعلهم يقبلون دينهم ، ويخضعون لربهم . وكذلك اختلفوا في قوله : وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [ المائدة : 110 ] ، وقوله : لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ [ آل عمران : 81 ] : قال الحسن : الكتاب والحكمة : واحد ؛ اسم شيء ، وهو القرآن . وقال بعضهم : الكتاب هو القرآن ، وهو سماع الوحي ، والحكمة : وحي الإلهام ، وهو السنة . وقال بعضهم : الكتاب : هو التنزيل ، والحكمة : هي المعنى المودع فيه ؛ فمن يقول : إن الكتاب والحكمة واحد ، وهي القرآن يقول في قوله : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ : القرآن ، ومن يقول عنه : إنهما غير - يقول - هاهنا - : إنّ الحكمة : الحجة والبرهان ، إمّا من جهة الإلهام أو من جهة الانتزاع من الكتاب . ويحتمل أن يكون قوله : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ : التي ذكر في هذه السورة ؛ من ذلك قوله : يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ [ النحل : 69 ] : يعني : من بطون النحل ، وقوله : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ [ النحل : 66 ] ، وما ذكر أنه يخرج من الخشب اليابسة - الأعناب وأنواع الثمرات ونحوه ؛ فذلك كله بحكمته ، أي : ادعهم إلى دينه وذكرهم بهذا ، وهم يقرون به ؛ ليقبلوا دينه ويخضعوا لأمره . والموعظة الحسنة : ما ذكر في قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ . . . الآية [ النحل : 90 ] ، وذلك كله مستحسن في العقل وتوجبه الحكمة ؛ لأن العدل والإحسان ، وما ذكر من إيتاء ذي القربى - الصدقة - مستحسن في عقل كل أحد . والانتهاء - أيضا - عن الفحشاء والمنكر مستحسن ، مستقبح ارتكابه وإتيانه ؛ كأن الحكمة هي التي تشتمل على العلم والعمل جميعا ؛ كأنه قال : ادعهم إلى دين الله بالعلم والعمل جميعا ؛ حتى ينجع ذلك فيهم ؛ أو : ادعهم باللّين وخفض الجناح مرة ، [ و ] بالعنف والخشونة ثانيا ؛ فيكون وضع الشئ موضعه ، ثم قال : يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . وقوله - عزّ وجلّ - : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . يحتمل - والله أعلم - أي : جادلهم بالذي يقرون على ما ينكرون ، وهو ما ذكر : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ . . . الآية [ النحل : 17 ] ، وقوله : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً